صديق الحسيني القنوجي البخاري

368

فتح البيان في مقاصد القرآن

ذلك كما يقدر على بعثه الموتى للحساب ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ فيجازي كلا بما يليق به كما تقتضيه حكمته البالغة . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 37 إلى 38 ] وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ هذا كان منهم تعنتا ومكابرة حيث لم يعتدوا بما قد أنزله اللّه على رسوله من الآيات البينات التي من جملتها القرآن ، وقد علموا أنهم قد عجزوا عن أن يأتوا بسورة مثله ، ومرادهم بالآية هنا هي التي تضطرهم إلى الإيمان كنزول الملائكة بمرأى منهم ومسمع أو نتق الجبل كما وقع لبني إسرائيل فأمره اللّه سبحانه أن يجيبهم فقال . قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ على رسوله آيَةٌ تضطرهم إلى الإيمان ولكنه ما نزل ذلك لتظهر فائدة التكليف الذي هو الابتلاء والامتحان وأيضا لو أنزل آية كما طلبوا لم يمهلهم بعد نزولها بل سيعاجلهم بالعقوبة إذا لم يؤمنوا قال الزجاج : طلبوا أن يجمعهم على الهدى وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن اللّه قادر على ذلك وأنه تركه لحكمة بالغة لا تبلغها عقولهم ، وأن نزولها بلاء عليهم لعدم نفعهم ووجوب هلاكهم إن جحدوا كما هو سنة اللّه . وَما مِنْ دَابَّةٍ تقع على المذكر والمؤنث من دب يدب فهو دأب إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو وقد تقدم بيان ذلك في البقرة ، وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على تنزيل الآية ، وإنما لم ينزلها محافظة على الحكم البالغة فِي الْأَرْضِ إنما خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء وإن كان ما في السماء مخلوقا له لأن الاحتجاج بالمشاهد أظهر وأولى مما لا يشاهد . وَلا طائِرٍ يَطِيرُ يقال طار إذا أسرع قال أهل العلم جميع ما خلق اللّه لا يخرج عن هاتين الحالتين إما أن يدب على الأرض أو يطير في الهواء حتى ألحقوا حيوان الماء بالطير ، لأن الحيتان تسبح في الماء كما أن الطير يسبح في الهواء ، وذكر بِجَناحَيْهِ لدفع الإبهام لأن العرب تستعمل الطيران لغير الطير كقولهم طرفي حاجتي أي أسرع . وقيل إن اعتدال الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران ومع عدم الاعتدال يميل فاعلمنا سبحانه أن الطيران بالجناحين ، وقيل ذكر الجناحين للتأكيد كضرب بيده وأبصر بعينيه ونحو ذلك ، والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء